
في دراستها لادب التمدن فى افريقيا، انتقدت كاثرين فيردوفيتش الادعاء بان الاوروبييين هم من انشاوا المدن الافريقيه الحديثه. فهم اما اتحذوا مدن وقرى كانت موجوده اصلا او قاموا بالاستيطان بالقرب من مناطق تجاريه تمتاز بقربها من مناطق المواد الحام وموارد الغذاء. في بعض الحالات قام الاوربيون بالفعل بتاسيس تجمعات و موانى ومحطات للسكك الحديديه فى مناطق لم يكن بها شى من قبل. رغم ان عطبره تدخل ضمن تصنيف هذه المجموعه التى تضم مدن اخرى ككوناكرى، نايروبى، وبورتسودان، الا انها نشات حول قريه صغيره اسمهاالداخله.تقول الروايه الشفاهيه انه و فى فترة حكم الفونج لم يسكن احد منطقة التقاء نهر عطبره بنهر النيل الى ان سكنتها احدى فروع قبيلة الجعليين الناطقة بالعربيه. نسبه لصراعات داخل القبيله، نزح بعض الجعليين من جليسى جنوب منطقة الدامر واختلوا الضفه الجنوبيه لنهر عطبره ومن ثم قاموا بعبور النهر وسكنوا المنطقه الاكثر خصوبة شمال نهر عطبره الى حين دخول الاتراك فى عام 1820.حينما دخل الاتراك الى المنطقه قاموا ببناء قلعه فى القيقر عند منطقة التقاء نهرى عطبره و النيل. كبقىة المجموعات السودانيه عانى هؤلاء القوم من ظلامات الاتراك مما ادى الى انقسامهم فى ثلاث مجموعات سكانيه حول نهر النيل ونهر عطبره فى الداخله، المقرن، و الطليح.لا يعرف اصل كلمة الداخله بشكل واضح لكن من المعتقد انها من الفعل العربى دخل، لان الحجيج و التجار جعلوها مدخلا لهم الى الطريق باتجاه البحر الاحمر و كانوا قد اتخذوها كمحطة و استراحه لهم فى القرنين الثامن عشر و التاسع عشر.كان قسم الهندسه بقيادة الملازم راسل من المهندسين الملكيين اول اقسام السكه الحديد و صولا الى عطبره فى شتاء 1905. حينما وصل راسل الى عطبره كانت كل المحطه عباره عن ظل صغير لقوائم مسقوفه مثبته فى الرمل . لم تكن هناك منازل او سوق وكان السكان يعتمدون فى احتياجاتهم على القطارات القادمه من حلفا و بورتسودان. موظفو السكه الحديد كانوا يسكنون الخيام الى ان تم بناء المساكن لهم.تم تكليف قسمم الهندسه بتصميم وبناء المبانى الادارية وكذلك رسم خارطه اسكانيه لمدينه. قام راسل برسم هندسى لمحطه جديده وورش ومكاتب اداريه ومبانى سكنيه و ناد و مستشفى. تم تباعا وصول اقسام الحركه و الميكانيكا و الرئاسات و الكادر الادارى وباكتمال المبانى الاداريه بحلول عام 1914 بدات عطبره تاخذ شكلها كمركز للسكه الحديد و كمدينه على نمط المستعمر.في تلك المرحله من تطورها كان لعطبره طابع المدينه العالميه( Cosmopolitan). كان المستحدمون للعمل ينحدرون من اصول مختلفه بينهم اغربق، مالطيون، بولنديون، البان، سوريون، اثيوبيون، هنود، و سودانيون. الجاليه الاغريقيه كمثال كانت تتكون من 100 اسره. حسب التقرير السنوى لحكومة السودان للعام 1914، بلغ عدد سكان منازل السكه الحديدحوالى 1,975 شخص، منهم 85 مدنى من البريطانيين، 36 بريطانى من العسكريين، 132 من الاوربيين، 731 من المدنيين المصريين، 653 من الكتيبه المصريه بالسكه الحديد، 36 من السوريين، 5 من الهنود، و230 من السودانيين 80 منهم كانوا من المقاتلين السابقين فى جيش المهديه. من الواضح انه بالرغم من العدد القليل للسكان وقتها الا انهم كانوا من اصول شتى.اكبر الجاليات الاجنبيه كانت هى الجاليه المصريه المكونه من رجال الكتيبه المصريه بالسكه الحديد و الاداريين المدنيين و العمال الصعايده. معظم الصعايده تم استيعابهم للعمل بشكل دائم و استيطانهم فى عطبره.اما المجتمع السودانى فكان يتشكل من عساكر المهديه الذين سجنوا بعد القاء القبض عليهم اثناء الحمله البريطانيه المصريه ومن الرقيق المحررين اضافة الى عدد ممن ترجع اصولهم الى غرب افريفيا.لم يظهر مجتمع الداخله اى ميل نحو العمل بالسكه الحديد بداية الامر واستمر الاهالى فى نشاطهم المتمثل فى الزراعه .لكن بكثير من الحث و الاغراء بالمواد التموينيه و المتطلبات الاخرى، انخرط عدد قليل منهم فى نظام العمل باليوميه. كانوا يعملون لمدة 2-3 ساعات فى اليوم بغودوا بعدها الى العمل فى حقولهم. لكن العمل بالسكه الحديد جذب بعض السودانين خصوصا اهالى مناطق النيل شمال عطبره منهم جعليين ، رباطاب من ابوحمد، شايقيه من مناطق كريمه و مروى، و نوبين من دنقلا و وادى حلفا. كغيرها من المدن زمن الاستعمار، خضع استغلال و تنظيم الاراضى فى عطبره لجمله من القوانين المقدمه بواسطة الاداره الاستعماريه منذ الاعوام الاولى للقرن العشرين. تلك القوانين شملت كل شى يتعلق بالارض ابتداء من حسم قضايا الملكيه والى نوعية المواد المستخدمه فى بناء المساكن. بعد عام من احتلال السودان، صدر قانون تنظيم الاراضى الذى خول لحكومة السودان ان تتملك و تضم الاراضى التى تطلبها سواء عن طريق الشراء او الاستبدال. هذا الاجراء ضمن للحكومة القيام بتخطيط الاراضى فى المدن دون تدخل من قبل اصحابهااواصحاب المبانى المشيده عليها. بعد عقد من الزمان وضع قانون لتشييد المبانى فى المدينه و تضّمن القانون نوعية البناء المسموح بها حسب تصنيف درجة الارض كما الزم القانون الملاك التقدم بطلب الحصول على ترحيص للبناء من سلطات البلديه.بعد عام على تاسيس عطبره كمدينه برز عدد من الاحياء فى الجانب الشرقى لخط السكه الحديد. احد الاحياء الاولى كان حى "الدراويش " الذى قام بتاسيسه الجنود السابقين فى جيش المهديه، عدد كبير منهم كان من قبائل البقاره و ذوى الاصول الافريقيه. الحى الاخر هو " العشش " فى الجنوب الشرقى للمدينه وقد سمي بالعشش لان اغلب مبانيه مكونه من اكواخ و زرائب بنيت من القش كانت توفر اقامه للشريحه الاكثر فقرا فى المدينه من سابق الرقيق وا بناء قبائل الفلاته المهاجرين من غرب افريقيا. بعض ممن قدموا الى عطبره خصوصاالجعليين و الرباطاب فضلوا العيش مع اقربائهم فى الداخله. اما العاملون فى السمشتفى فقد قاموا بتاسيس احد الاحياء و سموه " حى التمرجيه".هذه الاجياء التى بنيت ظلت حارج التصنيف الرسمى للمدينه و اعتبرت مناطق محليه مشبوهه. و باعتبارها مناطق غير قانونيه، كان يحق لسلطات البلديه اخلاء سكانها وازالة مبانيهم فى اية لحظه. حدث ذلك فى عدة مدن بالسودان و كثيرا ما علل له بغياب الشروط الصحية و الحوجه للمزيد من التوسع فى التخطيط.منذ الوهله الاولى، عكس تجسيم عطبره طابعها كمدينه للمستعمر و اصبح خط السكه الحديد يقسم المدينه الى قسمين شرقى و غربى. يعيش البريطانيون و بقية الاجانب فى جزئه الغربى بينما يقطن المواطنون السودانيون فى الجزء الشرقى. اشتمل الجزء الغربى على محطة السكه الحديد، مكاتب العمل، الورش، ومساكن الموظفين البريطانيين و المصريين. فى الوسط بالقرب من الورش انشى السوق حيث تواجد به كثير من التجار بجانب الموظفين المصريين.من المهم الاشاره الى ان مبانى السكه الحديد خاصه المساكن قد بنيت على اراض انتزعت من سكان منطقة الداخله. هذا الاستيلاء على الارض الزراعيه لسكان الداخله وصل قمته في اواخر العشرينات مما ولد ردة فعل عنيفه من قبل السكان الامر الذى ياتى ايراده لاحقا.
Ahmed Al Bashir
الموضوع كبير رأينا ان نورد فيه بعض ما جاء في شأن مدينة عطبرة والموضوع على هذا الرابط للإطلاع علماً بأن الكتاب المترجم هو (CITY OF STEEL AND FIRE)
كما ورد فيه ذكر لكتاب احمد بن ادريس
- الابانة النورانية في شأن صاحب الطريقة الختمية. الختمية لم تحظ باهتمام كبير من الباحثين بما فيهم أبو سليم. يعلل أبو سليم هذا الضمور في مجال دراسات الختمية الى شح مصادرها المدونة المتداولة. والى احجام قيادة الطريقة من جعل أدبياتها الموجودة في خزائن الأسر والافراد مادة متاحة للمؤرخين وسائر المهتمين بالعلوم الانسانية. ويقول بأن مؤرخ تاريخ السودان لا يبلغ شيئاً يرضيه ما لم يتح له النظر في الطرق وعلى رأسها الختمية وتقييم ادوارها في التاريخ.. لأن هذه الطرق ليست منظمات دينية صرفة تحصر نشاطها في مجال الدين والتعبد، وإنما هي روابط لها مكانتها في تكوين المجتمع ولها دورها في السياسة وفي كل وجه من اوجه حياتنا». اصل مخطوط الابانة النورانية وضعه أحمد بن ادريس الرباطابي في مدينة سواكن في العقد الاخير من القرن التاسع عشر الميلادي.يتناول سيرة السيد محمد عثمان الختم وذريته واصحابه وقصة حياته في السودان في إثنى عشر فصلاً. صدرت الطبعة المحققة لهذا الكتاب القيم ويتطرق في شيء من التفصيل إلى ظهور الطريقة الختمية وانتشارها في السودان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق